محمد جمال الدين القاسمي
155
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
فصل وأما الشرك في العبادة فهو أسهل من هذا الشرك وأخف أمرا . فإنه يصدر ممن يعتقد أنه لا إله إلا اللّه . وأنه لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع إلا اللّه . وأنه لا إله غيره ولا رب سواه . ولكن لا يخلص للّه في معاملته وعبوديته . بل يعمل لحظّ نفسه تارة وطلب الدنيا تارة . ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق تارة . فللّه من عمله وسعيه نصيب . ولنفسه وحظه وهواه نصيب . وللشيطان نصيب . وللخلق نصيب . هذا حال أكثر الناس . وهو الشرك الذي قال فيه النبي صلى اللّه عليه وسلم فيما رواه ابن حبان في صحيحه « 1 » : « الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل . قالوا : وكيف ننجو منه ؟ يا رسول اللّه ! قال : قل : اللهم ! إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم ، وأستغفرك لما لا أعلم » . فالرياء كله شرك . قال تعالى : قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ، فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [ الكهف : 110 ] . أي كما أنه إله واحد ، لا إله سواه ، فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده . فكما تفرّد بالإلهية ، يجب أن يفرد بالعبودية . فالعمل الصالح هو الخالي من الرياء ، المقيد بالسنة . وكان من دعاء عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : اللهم ! اجعل عملي كله صالحا ، واجعله لوجهك خالصا . ولا تجعل لأحد فيه شيئا . وهذا الشرك في العبادة يبطل العمل . وقد يعاقب عليه إذا كان العمل واجبا . فإنه ينزله منزلة من لم يعمله ، فيعاقب على ترك الأمر . فإن اللّه سبحانه إنما أمر بعبادته خالصة . قال تعالى : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ [ البينة : 5 ] . فمن لم يخلص للّه في عبادته لم يفعل ما أمر به . بل الذي أتى به ، شيء غير المأمور به ، فلا يصح ولا يقبل منه . ويقول اللّه تعالى « 2 » : أنا أغنى الشركاء عن الشرك . من عمل عملا أشرك فيه معي غيري ، تركته وشركه . وهذا الشرك ينقسم إلى مغفور وغير مغفور . وأكبر وأصغر . والنوع الأول ينقسم إلى كبير وأكبر . وليس شيء منه مغفورا . فمنه الشرك باللّه في المحبة والتعظيم بأن يحب المخلوق كما يحب
--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 4 / 403 . ( 2 ) أخرجه مسلم في : الزهد والرقائق ، حديث 46 .